عبد الملك الجويني

148

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجثة ؛ فإن السم إذا نفذ قد يتسرع البلى إلى الجثة ، وجسد الميت محترم على الوجوب ، ولعل الأصحَّ الأولُ . ولو سلمنا السيف إلى ولي القصاص ، فضرب غير الموضع المقصود فإن كان يضرب الرقبة فيما زعم ، فلم يصبها السيف ، نُظر : فإن بان تعمده بضرب الرِّجْل أو غيرها ، والسيف لا يتعدى الرقبة إلى الرجل ، فإنا نعزّر الوليّ بما يراه الوالي . ثم قال الشيخ أبو بكر ( 1 ) : لا يصرفه عن ذلك ، ولكن يعزّره ويهدده بمزيد التشديد عليه لو عاد إلى مثل ما بدر منه . وقال بعض أصحابنا : يأخذ السيفَ منه ؛ فإنا لا نأمن أن يفعل ثانياً مثلَ ما فعل أولاً ، والأوجه ما ذكره الصيدلاني ؛ فإن حقه في التعاطي ينبغي ألا يبطل بعدُ ، وإن صدر منه [ ما صدر ] ( 2 ) ، كما لو جرحَ الجاني قبل الارتفاع إلى مجلس الوالي ، فيبعد أن لا يسلم السيف إليه لما تقدم منه من الجرح والمَثُلة . ولو ظهر لنا أنه أخطأ في الضرب ، ولم يتعمد ، وقد يبينُ ذلك بأن يتعدى السيف من الرقبة إلى الكتف ، أو إلى القَمَحْدُوة ( 3 ) ، فإذا أخطأ ، لم يعزر ، ولكن قال الشيخ أبو بكر : يُعْزل ويؤخذُ السيف منه ، ويقال له : استنب ، وليس [ كالعامد ] ( 4 ) والفرق أن العامد لم يبن لنا خُرقه في الأمر ، ولكنه اعتدى ، فنهيناه ، ونحن له - إن أعاد - بالمرصاد . وأما المخطىء ، فتبين أنه ليس يحسن الأمر ، ولا ينفع زجره . وذهب بعض الأصحاب إلى أن المخطىء لا يعزل ، بل يعزّر ، وهؤلاء هم الذين قالوا : العامد يعزل . 10407 - ولا بد في تمام الفصل من استدراكات في مواضعَ : أقربُها أن ما ذكره الشيخ أبو بكر في الخطأ من العزل يجب أن يكون فيمن لم نعرفه ماهراً بضرب الرقاب ، والماهر قد يخطئ ولا يضرب ، ولا يجوز أن يكون فيه خلاف . ومن قال : المخطىء

--> ( 1 ) أبو بكر : أي الصيدلاني ، كما سيصرح به بعد أسطر . ( 2 ) زيادة من المحقق . ( 3 ) القَمَحْدُوة : عظمة بارزة في مؤخر الرأس فوق القفا ، الجمع قماحد . ( المعجم ) . ( 4 ) في الأصل : " كالعاقد " .